محمد حسين هيكل

34

حياة محمد ( ص )

هذا التقديس المرهب لما يعتقدونه كلمة اللّه . وفي القرآن نذر للذين يفترون على اللّه الكذب أو يخفون شيئا من وحيه . ولسنا نستطيع أن نصدّق أن يجرؤ المسلمون الأوّلون ، في حماستهم الأولى لدينهم وتقديسهم إياه ، على التفكير في أمر ذلك مبلغة من مجافاة الإيمان . « ثانيا - تمّ الجمع خلال سنتين أو ثلاث سنين بعد وفاة محمد ؛ وقد رأينا طائفة من أتباعه يحفظون الوحي كله عن ظهر قلب ، وأن كل واحد من المسلمين كان يحفظ طائفة منه ، وأن جماعة من القراء كانت تعيّنهم الدولة وتبعث بهم إلى أنحاء المملكة الإسلامية لإقامة الشعائر ولتفقيه الناس في الدين . من هؤلاء جميعا تكوّنت حلقة اتّصال بين ما تلا محمد من الوحي يوم تلاه وبين ما جمعه زيد . فالمسلمون لم يكونوا صادقي القصد في جمع القرآن كله في مصحف واحد فحسب ، بل كانت لديهم كذلك كل الوسائل التي تكفل تحقيق هذا الغرض ، وتكفل تحقيق ما اجتمع في الكتاب الذي وضع بين أيديهم بعد جمعه من دقّة وكمال . « ثالثا - ولدينا ضمان أوفى للدقة والكمال . ذلك ما كان موجودا منذ حياة محمد من أجزاء القرآن المكتوبة ، والتي كثر لا شك عدد نسخها قبل جمع القرآن . وأكثر الأمر أن هذه النسخ كانت موجودة في حيازة جميع الذين يستطيعون القراءة . أما ونحن نعرف أن ما جمعه زيد قد تداوله الناس وتلوه بعد جمعه مباشرة . فمن المعقول أن نستنبط أنه تناول ما احتوته هذه الأجزاء المكتوبة جميعا واتفق معها ؛ لذلك حلّ محلّها بإقرارهم جميعا . فلم يتصل بنا أن الجامعين أغفلوا أجزاء أو آيات أو ألفاظا ، أو أن شيئا مما كان موجودا من هذه اختلف عما حواه المصحف الذي جمع . ولو أن شيئا من ذلك كان ، للوحظ بلا ريب ولدوّن في هذه المساند القديمة التي احتوت أدقّ أعمال محمد وأقواله ، والتي لم تغافل منها حتى ما كان قليل الخطر . « رابعا - محتويات القرآن ونظامه تنطق في قوة بدقة جمعه ؛ فقد ضمّت الأجزاء المختلفة بعضها إلى بعض ببساطة تامة لا تعمّل ولا فنّ فيها . وهذا الجمع لا أثر فيه ليد تحاول المهارة أو التنسيق . وهو يشهد بإيمان الجامع وإخلاصه لما يجمع ، فهو لم يجرؤ على أكثر من تناول هذه الآيات المقدسة ووضع بعضها إلى جانب بعض . « والنتيجة التي نستطيع الاطمئنان إلى ذكرها هي أن مصحف زيد وعثمان لم يكن دقيقا فحسب ، بل كان ، كما تدلّ الوقائع عليه ، كاملا ، وأن جامعيه لم يتعمدوا إغفال أيّ من الوحي . ونستطيع كذلك أن نؤكد ، استنادا إلى أقوى الأدلّة ، أن كل آية من القرآن دقيقة في ضبطها كما تلاها محمد » . أطلنا في اقتطاف عبارات « سيروليم موير » كما وردت في مقدمة كتابه « حياة محمد » « 1 » . على أن ما اقتطفناه يغنينا عن ذكر ما كتبه « الأب لامنس » و « هون هامر » ومن يرون هذا الرأي من المستشرقين . هؤلاء جميعا يقطعون بدقة القرآن الذي نتلوه اليوم ، وبأنه يحتوي كل ما تلاه محمد على أنه الوحي الذي تلقاه من ربه صادقا كاملا . فإذا ذهبت بعد ذلك قلة من المستشرقين غير مذهبهم وزعموا القرآن حرّف ، غير آبهين لهذه الأدلة العقلية التي ساقها « موير » وكثرة المستشرقين ، والتي أخذوها عن التاريخ الإسلامي والعلماء المسلمين كان ذلك تجنيا على الإسلام لم يمله غير الحقد على الإسلام وعلى صاحب الرسالة الإسلامية . ومهما يبلغ المتجنون من البراعة في صياغة تجنّيهم فلن يستطيعوا أن يخلعوا عليه ثوب البحث العلمي النزيه ، ولن يستطيعوا

--> ( 1 ) راجع موير « حياة محمد » ص VIX إلى XXIX .